في ذكرى الطوفان ....محمدحيدرة مياه

أظن أن حدثا مثل طوفان الأقصى أكبر من الأحداث التي يحكم عليها بالخطأ أو الصواب بسهولة، أو يحكم عليها بأنها نصر مؤزر أو هزيمة كارثية، فهو حدث مركب، والحكم عليه يقتضي الحديث عن الصورة المركبة التي امتزجت فيها ملامح البطولة والفداء مع مشاهد الإبادة والخذلان. 

فهو من حيث طبيعة العمل كان ضربة عسكرية لم يشهد التاريخ لها مثيلا في العصر الحديث، ومشهد عز لم يكن يدر في أحلام أكثر المتفائلين، ومن حيث السياق التاريخي كانت غزة عبارة عن سجن كبير يرزح أهله تحت حصار خانق لمدة 17 سنة، وكان كل شيء في المنطقة يسير لتجاوز القضية الفلسطينية، وقتلها.. فكل الأسباب التي أدت للطوفان كانت واضحة ومشاهدة..

 لكن هل الواقع الحالي هو ماكان يسعى له قادة الطوفان؟ أكيد لا. فالطوفان سبقه  إعداد وتنسيق لو جرى كما كان ينبغي لتغيرت النتائج الآنية.. 

هل انتهى الطوفان وهذه نتيجته النهائية؟ قطعا لا.. فما بدأ في غزة وصل كل أطراف العالم ومازالت مفاعيله مستمرة.. 

هل كان الثمن بسيطا؟ أبدا كان ضريبة فادحة ومدمرة.. ولكن هل هذه الضريبة نشاز في تاريخ الشعوب ومقاومة الاحتلال؟ لا أبدا. 

لاشيء أسهل من التقييم البعدي.. أن تقف وترى النتائج الآنية، ثم تقول كان عليهم أن يفعلوا كذا.. وكان من الخطأ فعل كذا.. هذا كلام لاحق، فلا أحد يعلم الغيب، ولم يطلب الله من المجاهدين سوى إعداد ما يستطيعون من القوة، وضمن لهم الجنة، ولم يضمن لهم النصر العاجل..

ثم إن تجاهل المسؤولية الأخلاقية والشرعية والقانونية لملياري مسلم تجاه إخوانهم في هذه الحرب هو أول أبواب التخذيل وتحميل المظلومين إجرام الظالمين.

هل كانت الإبادة في غزة ستكون بهذا الحال لو أن 100 مليون مصري وقفوا وقفة جادة لإيقافها؟ دعك من مصر.. لو تحرك 5 مليون في الضفة الغربية والقدس هل كانت الإبادة بهذا الحجم؟ وقس على ذلك الأردن وبقية دول الطوق.. 

وهل كانت ستكون بهذا الشكل لو أن حلفا مثل "حلف مكة" تشكل لإيقافها؟ 

أو لو أن الخليج أوقف نفطه لإيقاف المحرقة؟ لا شك أن الواقع سيختلف كثيرا عن ذلك.. إن الذي فعله نتنياهو في غزة لم يكن يحلم صبيحة السابع من اكتوبر أنه سيسمح له به! 

دعك من الدفاع عن غزة بمقدرات الدول والجيوش وقوتها المادية.. 

حين حاصر الحوثيون ميناء إيلات وقطعوا الطريق على السفن الإسرائيلية.. ماذا فعلت الإمارات والأردن ودول خليجية أخرى؟ فتحوا جسرا بريا ينقل الخضار والمواد الغذاية إلى داخل إسرائيل.. 

حين كان جرحى غزة لايستطيعون عبور معبر رفح للعلاج في مصر.. كان الإسرائيليون يتنزهون في شرم الشيخ مقابل مبلغ 30 دولار! 

لقد كانت الطائرات الأمريكية المشاركة في الحرب تحلق من قاعدة العديد القطرية.. وكان النفط الأذربيجاني يعبر من موانئ تركيا نحو إسرائيل.. 

هل بعد هذا الخذلان والتواطؤ يتحمل المجاهدون ما جرى من الإبادة..؟ 

 لم يكن "الطوفان" طيشاً أو تهوّراً مفاجئاً، بل كان تصحيحًا لحركة تاريخ انحرف عن مساره الطبيعي، بينما كان الخذلان موقفًا استراتيجيًا، وليس نتيجة عجز في القدرة أو اختلالًا في موازين القوة بين العرب والكيان الصهيوني.

وكان من عجائب قدر الله النافذ أن الذين بخلوا بنفطهم.. احترق أمام أعينهم، وأن الذين خافوا على اقتصادهم تدهور سريعا، وأن الذين خافوا من القتل والقتال في معركة الحق.. قاتلوا وقتلوا في معارك الباطل.. 

(وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) 

(والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون).