الدكتور علي قره داغي : يكتب عن قصر القرٱن الكريم بنواكشوط

في نهاية زيارة رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين  الدكتور علي محي الدين القرة داغي لنواكشوط تلبية لدعوة من نائبه العلامة محمد الحسن ولد الددو ومحظرة خير الورى كتب التالي :

ختمت زيارتي لموريتانيا الشقيقة، التي تمت بدعوة كريمة من فضيلة الشيخ العلامة محمد الحسن الددو، ومحظرة خير الورى، ختمتها بزيارة قصر القرآن الكريم، لألقي فيهآ محاضرة.

ولهذا القصر قصة عجيبة ومؤثرة جدًا.

فقد كان هذا القصر مِلكًا لشاب موريتاني من أسرة محافظة مباركة. سافر إلى الخارج، ووفقه الله تعالى في جمع المال، فاشترى أرضًا في منطقة تُعد من أغلى مناطق العاصمة نواكشوط، وبنى عليها قصرًا ليكون مطعمًا فاخرًا حديثًا متميزًا. وفعلاً، ذاع صيت المطعم، وأصبح يرتاده كثيرون، وبخاصة أصحاب الجاه والمال من المواطنين والأجانب، وبعض الشباب من الجنسين، حيث كانوا يجتمعون فيه بما لا يتوافق مع القيم الدينية وقيم البلد العزيز موريتانيا.

وصل الخبر إلى والدة الشاب، صاحبة القلب المؤمن المحترمة السيدة خديجة، فجاءت إلى المطعم، فرأت ما لم تكن تتوقع. وكانت امرأة ملتزمة، فتألمت حتى كادت أن يُغمى عليها، فاتصلت بابنها وقالت:

«ما لهذا ربّيناك، ولا لمثل هذه الأمور أدبناك».

فرجع فورًا، وألغى فكرة المطعم من أساسها، وتبرع بجميع أموال المطعم ومستلزماته، وقال لوالدته:

«القصر تحت أمرك، اجعليه في أعمال الخير».

فوفقها الله تعالى إلى أن جعلها وقفًا كاملًا لصالح حفظ القرآن الكريم والعلوم الشرعية، وسُمّي بـ قصر القرآن.

وقد تأثرت بهذه القصة كثيرًا، والتقيت بالأخت الفاضلة الغيورة على دينها، الأستاذة خديجة، فشكرتها ودعوت لها كثيرًا.

ثم كانت لي دعوة لإلقاء محاضرة للأخوات الحافظات والمعلمات في هذا القصر، حضرها عدد كبير من المعلمات والطالبات الحافظات، تحدثت في البداية عن فضائل القرآن الكريم، ومن ذلك تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.

وتوقفت عند كلمة «أقوم»، التي تدل على أن القرآن يهدي الإنسانية إلى أصحّ الطرق، وأعدَل الأنظمة، وأسَدّ المناهج، وأقومها لتحقيق الخير، وحسنَي الدنيا والآخرة. وهو أقوم تشريعًا ونظامًا، وأقوى هداية، وأقوم تعليمًا للبشرية، وأقوم في ضبط التوازن بين الظاهر والباطن، وبين المشاعر وما تقتضيه العقول المستقيمة، وأقوم الأديان في الشعائر والعبادات، وأقوم في تنظيم العلاقات الإنسانية والسياسية والاجتماعية.

قال قتادة رحمه الله: «إن القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم؛ فأما داؤكم فالذنوب والخطايا، وأما دواؤكم فالاستغفار».

(الدر المنثور للسيوطي 5/254، ويُراجع أضواء البيان 3/17، وفي ظلال القرآن 4/2215).

ثم تحدثت عن مسؤولية المعلمات والحافظات للقرآن الكريم تجاه القرآن، تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾،

أي أن القرآن شرف للرسول ﷺ ولأمته، وأنهم مسؤولون عنه حفظًا، وترتيلًا، وتدبرًا! وتطبيقًا، ونشرًا، وتعلمًا وتعليمًا.

كما تحدثت عن الجهاد بالقرآن الكريم، وهو جهاد الدعوة والإعلام، قال تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾.

وركزت في كلمتي على نشر القرآن بالأخلاق، أي من خلال التخلّق بأخلاقه، كما كان عليه رسول الله ﷺ. فقد سُئلت عائشة رضي الله عنها عن خُلُق النبي ﷺ فقالت:

«كان خُلُقه القرآن»

رواه مسلم (746)، ورواه أحمد (25813).

وذكرت لهن عدة قصص مؤثرة من عصرنا الحاضر، منها قصة الفيلسوف المعروف روجيه غارودي الذي أسلم بسبب ما رآه من أخلاق جندي جزائري، وكذلك قصة مخرج الفيلم المسيء إلى مقام رسول الله ﷺ، الذي أسلم لاحقًا، ثم قدم اعتذاره الشديد في روضة حضرة المصطفى ﷺ.

فالقرآن مسؤولية كبرى على الأمة، وبخاصة على حفظة القرآن الكريم ومعلميه، بأن يعرضوه بجماله وكماله، وبمادته العظيمة التي هي حقًا شفاء لما في الصدور.

واختُتمت المحاضرة بالدعاء، وبالشكر الجزيل لفضيلة الشيخ الددو، والقائمين على هذه المحظرة، وللحاضرات جميعًا.

ودمتم في رعاية الله.