ولد أبو المعالي : التحذير الأمريكي في نواكشوط.. محاولة للفهم

أصدرت السفارة الأمريكية في نواكشوط بيانا حذرت فيه من وقوع هجمات وصفتها بالإرهابية، قد تستهدف مقر السفارة أو المقيمين الأمريكيين على الأراضي الموريتانية، وهو تحذير يبدو للوهلة الأولى مفاجئا نظرا لصيغته وتوقيته، بعد سنوات من الأمن والأمان ظل خلالها الأمريكيون وغيرهم من الغربيين والرعايا الأجانب يجوبون البلاد طولا وعرضا لا خوف عليهم ولا جزع.

ولأن التحذير لم يحدد مصدر التهديد الذي تلقته السفارة ولا خلفياته ولا أسبابه ودواعيه، فإن أي قراءة تحليلية له ستتكأ على معطيات الحاضر بواقعه ووقائعه، ومجريات الأحداث الماضية وتداعياتها، في ظل غياب أية معلومة دقيقة عن دوافعه، فهذا التهديد المفترض إذا حاولنا سبر أغواره، وفهم كنهه، سنكون أمام أحد مصدريين اثنين، يمكن أن نناقشهما ونبسط بين يدي القارئ الكريم احتمال كل واحد منهما، ودواعي ترجيحه أو استبعاده. 

ـ أول هذين الاحتمالين متعلق بتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية على إيران، وهنا يكون التحذير على شاكلة التحذير الذي صدر عن السفارة الأمريكية في أبوجا، وهو تحذير وارد هناك مع ارتفاع نسبة التهديد في نيجيريا نظرا لوجود عشرات الآلاف من أتباع "الجماعة الإسلامية في نيجيريا" التي يقودها الزعيم الشيعي "إبراهيم الزكزكي" وتتبع المذهب الإثنا عشري، وتدين بالولاء المطلق للمرشد الأعلى في إيران، أما في موريتانيا فإن هذا الاحتمال يواجه جملة معطيات تحول دون ترجيه، فالنظام الإيراني وإن وجد بعض التعاطف الشعبي مؤخرا في هذه البلاد على خلفية الحرب الحالية، لكنه تعاطف محدود ومرتبط بالحرب ودوافعها دون أية جذور مذهبية أو سياسية، أما أن ينخرط البعض هنا في مناصرة إيران إلى درجة تنفيذ أعمال عدائية ضد الأمريكيين أو غيرهم فهو أمر مستبعد، إذ البون الشاسع بين المذهب السني المالكي المعتمد في هذه الربوع، وبين المذهب الشيعي الاثنا عشري المعتمد في طهران، لا يضاهيه إلا البون الجغرافي الشاسع بين طهران في أقصى المشرق، ونواكشوط على شواطئ المحيط الأطلسي غربا، فضلا عن أن معظم الموريتانيين ما زالوا ينقمون على نظام طهران تدخلاته غير الموفقة في العراق وسوريا، وما نتج عنها من سفك لدماء إخوانهم من السنة والعرب، كما لا توجد في موريتانيا طائفة شيعية يمكن أن تشكل تهديدا أو حتى إحراجا للأمريكيين، فكيف بتنفيذ هجمات أو أعمال عدائية ضدهم.

ـ الاحتمال الثاني هو أن يكون مصدر هذا التهديد جاء من الجماعات السلفية المسلحة التي تنشط في مالي وبعض بلدان المنطقة، انطلاقا من موقفها التقليدي المعادي للولايات المتحدة الأمريكية، وهنا يجب أن نتذكر على البداهة أن هذه الجماعات توقفت جميع أنشطتها على الأراضي الموريتانية منذ نهاية عام 2011، إذ لم يسجل منذ ذلك التاريخ أي نشاط لها أو تهديد على الأراضي الموريتانية، وعزز ذلك دخول الحكومة الموريتانية في حوار غير مباشر مع عشرات السجناء السلفيين عبر لجنة من علماء الدين أسفرت عن تراجع معظمهم عن أفكارهم ورؤاهم، وتم الإفراج عن العشرات منهم، فضلا عن معطيات عسكرية وأمنية أخرى استجدت في موريتانيا يضيق المقام هنا عن سردها.

 ومعلوم أن جماعتين سلفيتين مسلحتين تنشطان حاليا في المنطقة وهما: "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، التابعة لتنظيم القاعدة، وهي التي ينتشر بعض عناصرها فيما يلي الحدود الموريتانية من الأراضي المالية، وقد انخرطت في الشأن المحلي لدولة مالي بشكل استغرق معظم أنشطتها وتفكيرها، كما اشرأبت أعناقها نحو الجنوب والجنوب الشرقي لاعتبارات استراتيجية وإثنية بعيدا عن موريتانيا التي يرفض قائدا هذه الجماعة (إياد غالي وحمادو كوفا) التورط معها في أي حرب أو مواجهة مسلحة، أما الجماعة الثانية فهي تنظيم "ولاية الساحل" التابع لتنظيم الدولة الإسلامية، وينشط هذا التنظيم في مثلث الحدود بين مالي والنيجر وبوركينافاسو بعيدا عن الحدود الموريتانية، وهو غير معني أصلا ـ منذ تأسيسه ـ بالصراع مع موريتانيا أو العمل على أراضيها، ولو قُيض لأي من الجماعتين أن تخطط لمهاجمة سفارة أمريكية  في المنطقة، فإن في سفارات نيامي وباماكو ووغادوغو وغيرها من البلدان التي تنشط الجماعتان على أراضيها، ما يغنيها عن إدخال نواكشوط في دائرة أنشطتها. 

 أما إذا حاولنا الربط بين الاحتماليين السابقين للخروج باحتمال ثالث يجمعهما، وهو أن تكون تداعيات الحرب على إيران قد دفعت هذه الجماعات السلفية المسلحة إلى محاولة النيل من الأمريكيين على الأراضي الموريتانية انتقاما لإيران، فإن الموقف العقدي المعلن والمعروف لهذه الجماعات السلفية من إيران ونظامها يجعلنا نستبعد البتة التفكير في احتمال كهذا، فهذه الجماعات تنظر إلى إيران وأمريكا وإسرائيل بذات عين العداء والمقت والبغضاء، وعلى حد سواء دون تفريق أو تمييز، والأمر بالنسبة لها لا يعدو كونه حربا بين المجوس واليهود والصليبيين، ولا ترى أي دورا للإسلام والمسلمين فيها.

وانطلاقا من عدم ترجيح أي من هذه الاحتمالات ـ تحليليا ـ وفي ظل غياب أية معلومات دقيقة عن مصدر التهديد، فإن معطيات الساحة الموريتانية اليوم أمنيا وعسكريا وسياسيا واجتماعيا ودينيا، لا تشي بأي مستجد مهما كان يستدعي إعادة النظر في تقييم الوضع الأمني فيها، فلا التداعيات المحتملة للحرب الأمريكية الاسرائيلية الايرانية تستدعي تحذيرا ظرفيا كما حصل في نيجيريا، ولا تطورات الوضع في المنطقة وفي موريتانيا خصوصا تستدعي إضافة موريتانيا الى قائمة التحذيرات الأمريكية المستمرة والمتجددة في مالي والنيجر وبوركينافاسو ووسط افريقيا والصومال، لذلك لا مندوحة عن القول كخلاصة في نهاية هذه السطور، إن موريتانا ما تزال بحبوحة استقرار وهدوء كما كانت خلال السنوات الأخيرة، آمنة مطمئنة في وسط مضطرب مترنح تضرب فيه الفتن والقلاقل وأعمال العنف ذات اليمين وذات الشمال، فلا داعي للخوف والتحذير.

الكاتب الصحفي محمد محمود ابو المعالي