موريتانيا وتهديدات باماكو:قوة هادئة في محيط ملتهب

موريتانيا وتهديدات باماكو: قوة هادئة في جوار ملتهب

تلوّح باماكو اليوم، في ذروة إعادة التموضع الإقليمي حول ملف الصحراء وفي ظل توتر معلن مع الجزائر، بورقةٍ تبدو لأول وهلة ثانوية لكنها في منتهى الخطورة: اتفاقية خاي 1963 التي ثبّتت الحدود بين مالي وموريتانيا تحت سقف مبدأ “الحدود الموروثة عن الاستعمار”. هذا التلويح لا يأتي من فراغ؛ فهو يتقاطع مع قرار مالي سحب اعترافها بـ“الجمهورية الصحراوية” والانخراط الصريح في الموقف المغربي، في خطوة تُقرأ إقليمياً على أنها تقليص للنفوذ الجزائري في باماكو وتغذيةٌ إضافية لاستقطابٍ مغاربي-ساحلي محتدم. في هذا المناخ، تصبح موريتانيا معنية بشكل مباشر، لأن الحدود مع مالي ليست مجرد خط على الخريطة، بل هي شريان أمن واقتصاد ورعي وتجارات صغرى وحدود هشّة تتربص بها التنظيمات الجهادية وشبكات التهريب أكثر مما تتربص بها الجيوش النظامية.
مع ذلك، فإن أي قراءة واقعية لموازين القوى السياسية والديبلوماسية والأمنية تجعل حديث باماكو عن “إلغاء” اتفاق خاي أقرب إلى ورقة ضغط ومزايدة سيادية داخلية، منه إلى خيار حرب مفتوحة مع نواكشوط. فالاتفاقية ليست تنازلاً تاريخياً من مالي بقدر ما هي ترجمة قانونية لمعادلة “الحدود الموروثة” التي قبلت بها الدول الإفريقية لتجنب حروب لا تنتهي، كما أن المسّ بها يفتح صندوق باندورا لنزاعات حدودية تمتد من تمبكتو إلى نهر السنغال.

#سياسيا| تقف موريتانيا اليوم على أرض أكثر صلابة مما يبدو في الخطاب المتوتر الآتي من باماكو. فمن جهة، حافظت نواكشوط خلال السنوات الأخيرة على صورة “الوسيط الحذر” في أزمات الساحل، مبتعدة عن المنطق الانقلابي الذي حكم مالي وبوركينا فاسو والنيجر، ومحتفظة في الوقت نفسه بقنوات مفتوحة مع باريس وواشنطن وبروكسل، ومع موسكو أيضاً بدرجات محسوبة، وهو ما منحها هامش مناورة أوسع في الملفات الحدودية والأمنية. ومن جهة أخرى، راكمت نواكشوط رصيداً من الحضور في المبادرات الأممية والإقليمية الخاصة بمحاربة الإرهاب في الساحل، بما في ذلك أطر التعاون الأمني الثنائي مع مالي نفسها، التي أفضت في فترات سابقة إلى تسيير دوريات مشتركة وتبادل مستمر للمعلومات على طول الحدود التي تتجاوز ألفي كيلومتر. هذه الثنائية – حياد نسبي في الصراعات الإقليمية وتعاون أمني تقني مع الجار الملتهب – تجعل موريتانيا شريكاً لا يمكن لباماكو أن يستغني عنه بسهولة مهما تصاعد خطابها الشعبوي.

#ديبلوماسياً| تواجه مالي عزلة متزايدة مع توتر علاقاتها مع أغلب الجيران (الجزائر، موريتانيا، السنغال، ساحل العاج) وتزايد الشكوك الغربية في تحالفها العميق مع روسيا، بينما نجحت نواكشوط في الحفاظ على خيوط تواصل فعّالة مع كتل متعارضة دولياً (الروس والغرب) وإقليمياً (المغرب والجزائر) مع قدر من البرود المحسوب. هذا الفارق في التموضع يجعل أي صدام مباشر مع موريتانيا كلفة إضافية على نظام انتقالي في باماكو يبحث عن شرعية خارجية في لحظة تُختَبر فيها قدرته على إدارة الداخل المنفلت أكثر من قدرته على فتح جبهة جديدة مع الجيران. فوق ذلك، فإن قرار مالي بالاصطفاف العلني إلى جانب المغرب في ملف الصحراء، مهما بدا ربحاً تكتيكياً قصيراً للرباط على حساب الجزائر، لا يعفي باماكو من حاجتها إلى منفذ غربي هادئ وآمن هو موريتانيا، خاصة في لحظة إغلاق حدود أخرى أو تجميدها بفعل الأزمات.

#أمنياً| تمسك موريتانيا اليوم بأوراق قوة لا يُستهان بها في المجال الحدودي. فالحدود بين البلدين هي الأطول في المنطقة، وغالبيتها في فضاء صحراوي قاحل تتحرك فيه التنظيمات المرتبطة بالقاعدة وغيرها من الجماعات المتطرفة، ما يجعل أي زعزعة لقواعد الاشتباك القائمة مغامرة غير محسوبة تهدد بفراغ أمني قد ترتد كلفته على باماكو أكثر من نواكشوط. موريتانيا التي راكمت تجربة معتبرة في تحييد ضربات التنظيمات المسلحة على أراضيها، عبر مزيج من المقاربة الأمنية الصلبة والمصالحات المحدودة، استطاعت خلال العقد الماضي أن تحافظ على مستوى من الاستقرار الأمني يفوق بكثير ما هو قائم داخل مالي نفسها، التي تُوصف اليوم بأنها على “حافة الهاوية” بفعل التوتر داخل المؤسسة العسكرية وتصاعد النفوذ الروسي وانفلاته من أي مساءلة، وتدهور علاقاتها مع أكثر من جار. في مثل هذا السياق، لا يبدو أن القيادة المالية قادرة فعلياً على تحمّل تبعات فتح جبهة نزاع حدودي مع دولة لم تعد مجرد جار ضعيف، بل فاعل أمني معترف به إقليمياً في مجال مكافحة الإرهاب وضبط الحدود.
في حال قررت باماكو المضي قدماً في تهديدها ورفعت سقف التصعيد، يمكن تصور ثلاث فرضيات رئيسية، تتراوح بين التوظيف الرمزي للملف والارتماء الكامل في مغامرة غير محسوبة.

#الفرضية_الأولى| أن يستخدم المجلس العسكري في مالي خطاب “إلغاء اتفاقية خاي” في الداخل كأداة تعبئة قومية، من دون ترجمتها إلى خطوات قانونية أو ميدانية حقيقية، فيكتفي بإعادة إنتاج رواية تاريخية عن “ظلم حدود الاستعمار” و“استعادة الحق” مع إبقاء الوضع على الأرض كما هو، بينما يجري في الخلفية تفاوض صامت مع نواكشوط حول ترتيبات الرعي والتجارة والمرور الحدودي. في هذه الحالة، سيكون على موريتانيا أن تستثمر تفوقها الديبلوماسي في ضبط إيقاع الرد: لغة حازمة تذكّر بالالتزامات القانونية الإفريقية (مبدأ الحدود الموروثة) وبالسوابق التاريخية التي قبلت فيها مالي بنفس المعادلة، مقابل تجنب الانزلاق إلى خطاب وطني متشنج يقدّم للمجلس العسكري في باماكو مادة تعبئة إضافية.

#الفرضية_الثانية| أن تتخذ مالي خطوات قانونية أحادية الجانب، كإعلان برلماني أو رئاسي بعدم الاعتراف باتفاقية 1963، ومحاولة ترسيم حدود جديدة من طرف واحد في الخطاب الرسمي والخرائط الوطنية، دون قدرة فعلية على فرض أمر واقع ميداني واسع. هنا ستواجه باماكو رفضاً شبه إجماعي في الأطر الإقليمية والإفريقية، لأن قبول سابقة من هذا النوع يعني فتح الباب أمام سلسلة لا تنتهي من مراجعات الحدود في القارة، وهو ما دأبت منظمة الوحدة الإفريقية ثم الاتحاد الإفريقي على اعتباره خطاً أحمر. موريتانيا، في هذا السيناريو، تمتلك قدرة معتبرة على تعبئة هذا الرصيد القانوني والسياسي الإفريقي، مدعومةً بصورتها كدولة لم تنخرط في مغامرات انقلابية وليست محسوبة بالكامل على محور دولي واحد، ما يسمح لها بأن تضع مالي في خانة الدولة “المُخِلّة بالالتزامات التأسيسية” للمنظومة الإفريقية إذا تمادت في هذا المسار.

#الفرضية_الثالثة| والأكثر خطورة، فهي أن تتطور لعبة حافة الهاوية إلى احتكاكات ميدانية محدودة: اشتباكات على خلفية مطاردة مجموعات مسلحة، أو اعتراض قوافل رعي وتجارية، أو استخدام القوات الخاصة على الجانبين في عمليات “متبادلة” داخل مناطق متنازع على توصيفها، قبل أن يسارع الطرفان إلى طلب وساطات إقليمية لاحتواء الموقف. حتى في هذه الحالة القصوى، تبدو موريتانيا في موقع أفضل من حيث القدرة على ضبط ردها واستثمار علاقاتها الإقليمية لجرّ الأزمة سريعاً إلى طاولة التهدئة، بينما سيجد المجلس العسكري المالي نفسه أمام معادلة معقدة: كيف يبرر أمام الداخل استمرار نزيف بشري ومادي في جبهة جديدة، بينما لا تزال جبهات الشمال والوسط ملتهبة وتُستنزف فيها القوات النظامية والمرتزقة معاً؟ الأخطر بالنسبة لباماكو أن أي انفلات على الحدود مع موريتانيا سيمنح التنظيمات الجهادية مساحة مناورة أوسع في الفراغ الأمني الذي سيخلّفه انشغال القوات النظامية، وهو سيناريو تعرف مالي من تجاربها السابقة أنه ينقلب سريعاً على من يفتح بابه.

في مواجهة هذه الفرضيات، يمتلك صانع القرار في نواكشوط هامشاً واسعاً لصياغة سياسة رد لا تقوم على الانفعال، بل على الاستثمار الذكي في عناصر قوة موريتانيا المتعددة. أول هذه العناصر هو الشرعية القانونية للحدود التي كرّستها اتفاقية خايس تحت مظلة مبدأ إفريقي راسخ، وثانيها شبكة العلاقات الديبلوماسية الواسعة القادرة على تحويل أي تهديد مالي إلى موضوع نقاش في العواصم الكبرى والمنظمات الإقليمية، وثالثها الاستقرار الأمني النسبي الذي يجعل من موريتانيا شريكاً مطلوباً في كل ترتيبات مكافحة الإرهاب في الساحل. فوق ذلك، فإن تعقّد المشهد الإقليمي – من النزاع المغربي الجزائري إلى إعادة تموضع روسيا والغرب في الساحل – يمنح نواكشوط فرصة إضافية لتقديم نفسها كطرف متّزن، يرفض زجّ حدودِه في حسابات رد الفعل المالي على الجزائر أو في اصطفافات ظرفية حول ملف الصحراء. بهذا المعنى، لا تبدو موريتانيا اليوم في موقع من عليه الخوف من “حرب قادمة”، بقدر ما هي في موقع من عليه أن يحسن إدارة فائض قوته الهادئة في وجه جارةٍ مضطربة تلوّح بالحدود لتغطي عجزها عن ضبط الداخل.
قد تُغري لعبة الرموز المجلس العسكري في باماكو بالاستمرار في استخدام اتفاقية خاي كعنوان “سيادي” في خطابٍ شعبوي يبحث عن شرعية ضائعة، لكن قدرة مالي على تحويل هذا الخطاب إلى وقائع على الأرض تبقى محدودة أمام قانون دولي وإفريقي لا يحتمل العبث بخارطة الحدود، وأمام جار موريتاني راكم من القوة السياسية والديبلوماسية والأمنية ما يكفي ليواجه التهديد بهدوء وصرامة في آن. السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت مالي قادرة على إلغاء اتفاقية حدودية، بل ما إذا كانت مستعدة لتحمل تداعيات فتح أبواب جحيم حدودٍ لا تعرف متى تُغلق إذا فُتحت على مصراعيها.

سلطان البان Sultan Elban
11-04-2026
LÔNDON-CCCU

المحيط ابريس