مخاطر التمديد وخلافة المريد/ محمد ولد المنى

مازلتُ عند الرأي الذي سبق أن عبّرتُ عنه هنا قبل فترة من الآن، وهو أن الرئيس محمد ولد الغزواني لا يريد مأموريةً رئاسية ثالثة ولا يسعى إلى نيلها على الأرجح، ليس فقط لأنها حنث باليمين وعبث بالدستور، ولكن أيضاً لأن كل التجارب السابقة التي قام فيها رؤساء أفارقة بمحاولات لفرض تعديلات تلغي القيودَ الدستورية على عدد المأموريات الرئاسية، أفضت إلى أزمات وقلاقل واضطرابات في بلدانهم، وفي معظم الأحيان عادت على أشخاصهم بنتائج وخيمة ومآلات مأساوية.
ومن محاولات التعديل والتمديد التي انتهت بأزمات ومآسي في البلدان الأفريقية، محاولة بليز كومباوري في بوركينا فاسو، عام 2014، والتي أدت إلى انتفاضة شعبية عارمة اقتلعته من الحكم ليجد نفسه لاجئاً في كوديفوار. ومحاولة الرئيس البروندي بيير نكورونزيزا، عام 2015، وما نجم عنها من احتجاجات دموية أدخلت بوروندي في عزلة دولية وأزمة اقتصادية وإنسانية خانقة أسفرت عن مقتل المئات ولجوء مئات الآلاف إلى دول الجوار.
كما نتذكر جهودَ مامادو تانجا في النيجر، والذي أوعز في عام 2009 بإطلاق حملة واسعة للمطالبة بتعديل دستوري يجعل عددَ المأموريات الرئاسية مفتوحاً بلا سقف، مما أدخل البلادَ في نفق سياسي مظلم أفضى إلى انقلاب عسكري أطاح فيه الجيش بتانجا وأدخله السجنَ في فبراير 2010.
وفي غينيا، عام 2020، استطاع الرئيس ألفا كوندي، وكان أول رئيس منتخب ديمقراطياً للبلاد، فرضَ تعديل دستوري يسمح له بالترشح لمأمورية رئاسية ثالثة، ثم تنظيمَ انتخابات رئاسية منحته نتائجُها الرسميةُ المعلنةُ فوزاً على منافسيه، لتدخل البلادُ مرحلةً من الانقسام السياسي لم تنته إلا بتدخل الجيش الذي أطاح بكوندي عام 2021 وزج به في السجن.
ورغم أن الرئيس الكونغولي دنيس ساسو نغيسو استطاع هو أيضاً، في عام 2015، فرضَ استفتاء دستوري لإلغاء شرط السن والحد الأقصى للمأموريات الرئاسية، فقد عاشت بلادُه أزمةً سياسية واقتصادية حادة لم تستطع الخروج منها حتى الآن. 
كما أدى ترشحُ الرئيس السنغالي عبد الله واد، عام 2012، لمأمورية رئاسية ثالثة إلى اضطرابات سياسية واسعة، وإلى معاقبته من قبل الشعب السنغالي الذي ألحق الهزيمةَ به وبحزبه في الانتخابات التالية لصالح وزيره السابق ماكي سال. ثم حدث شيء مشابه مع ماكي سال بعد محاولته الخجولة الترشحَ لمأمورية رئاسية ثالثة، حيث تعرضت محاولتُه للوأد سريعاً من قبل المجلس الدستوري، لكن حزبه تعرّض لعقاب شديد من الناخب السنغالي، قبل أن يجد سال نفسَه لاجئاً سياسياً في المغرب حيث أمضى العامين الأخيرين غير قادر على دخول بلاده مخافةَ التعرض للاعتقال والمحاكمة.
ولعل محمد ولد العزيز، الذي يصفه أنصارُه بالجرأة والجسارة ويصفه خصومُه بالرعونة والافتقار إلى الحس السليم، كان حكيماً وحصيفاً عندما قرر في نهاية المطاف عدمَ الانخداع لعامين من الحملات المطالِبة بتمكينه من مأمورية ثالثة، وهي حملات شاركت فيها قوى المجتمع التقليدي بأسرها وأجهزة الدولة جميعاً بما في ذلك جنرالات الجيش أنفسهم. 
وعلى ما يبدو فإن الهياج الذي يمارسه «قطيع» واسع من الموالاة، هو بالأساس برمجةٌ لغويةٌ في أدمغتهم، تَنشط تلقائياً في هذه الفترة من المأمورية الرئاسية الثانية لكل رئيس، تعبيراً عن تعلقهم الغرائزي بمنابع الفساد والتجريف التي يتيحها لهم وجودُه في الحكم. ولا ينبغي لأي رئيس يتمتع بالحد الأدنى من صحة النظر وسلامة الفهم أن ينخدع بمثل هذا الهياج الغرائزي الميكانيكي. 
وربما غضَّ ولد الغزواني الطرفَ عن الهياج الغرائزي الحالي وسمح باستمراره، لكن لا يعني ذلك بالضرورة أنه يخطط من خلاله لتعديل الدستور وحكم البلاد في مأمورية رئاسية ثالثة، وإنما الأرجح أنه يترك المجالَ لقطعان من الموالاة كي تمارس غرائزَها في التصفيق والتطبيل، متخذاً من حملاتها دخاناً للتمويه والتغطية على عملية أخرى لتمرير أفضلِ السيناريوهات المستقبلية بالنسبة له شخصياً، ألا وهو تمهيد الأرضية لاستخلاف وزير داخليته محمد أحمد ولد محمد الأمين، والذي هو أيضاً مريده المخلص وابن قريته وسمي والده، في منصب الرئاسة عام 2029. لكن هل كلُّ ما يتمنى المرءُ في السياسة يدركه؟ وهل يمكن لحساب حقل الخلافة المريدية أن يطابق حسابَ بيدر المأموريات الرئاسية وسياقَها الأوسع؟!