غزة : كرامة في العاصفة!...الدكتور أسامة الأشقر

 حدثني أحد الدعاة في ديار العزة الغزّيّة عن رجل من أئمة الثغر أنّه خرج على أهله من خندقه بعد غياب دهرٍ، وكان من جند الطوفان، فوجد بناته في مدرسة للأيتام؛ لمّا غلَب على ظنِّ أهله أنه ممن ارتقوا إلى ربّهم وهم في غمرة المعارك في مناطق اشتباك النار، فعجِبوا لنجاته، ولم يتحدّث إلا لنفر قليل عن أحواله بعد أن استعلم إن كان ذلك ممّا يُتحدَّث به، فحثّوه على ذلك، ورغّبوه، فتحدّث ببعض ما كان لهم من كرامات وآيات.

• فيقول: كنا بين أنياب الموت أسابيع في نفق من الأنفاق الهجومية القريبة جدًّا من العدو، فلمّا تكاملت أربعين يوماً، ولم يبق عندنا إلا بقية من طعام لا يكفي، وكاد أن ينفد ماؤنا، ولا مجال عندنا للحركة أو إصدار صوت إلا أن نكون كالأشباح، دعوت الله سبحانه قائلاً: يا رب! إنّك تعلم حبّنا للموت في سبيلك، فاكتب لنا يا الله نجاةً تكون للناس آيةً حتى لا يقول أحدٌ إن طريقكم لا نجاة فيها، ولا حياة.

• فلم يمضِ زمنٌ يسيرٌ حتى ظهرت لنا سيّارة مساعدات، وقد ضلّت طريقها على ما يبدو، أو أنّها مُنعت من التقدّم، فرمت بحمولتها من الطعام قريباً منّا، وكأنّها تتخلّص منها، فأخذناها إلى النفق، حتى شبعنا، وبقي لنا فيها فيضٌ ومدَدٌ.

• ولكنّنا لم نجد ماءً فيها، وكدنا أن نستيقن الموت عطشاً، وسلاحنا لا يُغْني في معركة أخيرة، فقال أحدُ مَن كان معنا إنه كان يعرف بئر ماء قديمة حولنا، فلعل فيها ماءً، فتسلّل بعضنا إليها فوجدناها مخفيّة بحائط منهار قد سدّه التراب، فحفرنا قليلاً فوجدنا غاطس الماء إلا أنّنا لم نستطع رفع الماء لخوفنا من أن نصدر صوتاً يسمعه العدو فيقذفنا بمدافعه ورجومه، فأرسل الله إلينا عاصفة رمليّة هائجة، وكان فيها صوت شديد، فعلِمنا أنّها كرامة من الله أهديت إلينا، فتمكّنا من الحفر، ورفع المياه، وقد أخفت أصوات العاصفة الهائجة أصوات حفرنا وإخراجنا للحجارة المتهدّمة في البئر، وحملنا الماء إلى إخواننا المحاصَرين في النفق، فظللنا نكبّر ونهلّل من بركة الله وفضله علينا.

• يقول هذا الرجل: فما علِمتُ معنى قولهم: احرص على الموت تُوهَب لك الحياة إلا حينها.

 (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)